02/09/2008

الأم والطّفل في المشروع الحضاري التّونسي

أخيرا، في البلد الّذي أعيش فيه، تمّ الحكم ببراءة طبيب اُضْطُرَّ لأجراء عمليّة قيصريّة في حالة ولادة عسيرة نجح خلالها في إنقاذ الجنين لكنّ الأمّ تُوُفِّيت يوما بعد العمليّة إثر نزيف دموي حادّ ومفاجئ.....تبرئة الطبيب لم تكن فوريّة بل جاءت بعد أربعة سنين من التّحقيق المكثّف واستنفاد الطّب الشرعي كلّ ما في وسعه ليخلص إلى أنّ اللّجوء إلى الجراحة كان اضطراريّا لإنقاذ الأم والجنين وأنه من العسير في مثل هذه الحالة توقّع هذا النّوع من النّزيف القاتل

لا فائدة في الحديث عن موجة التسونامي الإعلاميّة التي رافقت هذه القضيّة مثلما ترافق غيرها من القضايا التي يقع فيها إلحاق ضرر ما بمواطن أو هضم حقه...حتى وإن كان ذلك على وجه الخطإ وفي حالات نادرة جدّا مثل التي ذهبت ضحيتها هذه الأم
التّحرّك الإعلامي إزاء ما يقع من حيف أو زيف أو غشّ أو استغلال سلطة أو سرقة أموال عمومية أو إهمال أو اعتداء على كرامة الفرد....هذا التحرّك هو آلي ومنهجي وتقليدي.....وهو أقوى وأفضح للجريمة،في هذا المجتمع، كلّما كان المذنب مسؤولا أسمى أو مقرّبا من زيد أو نسيبا لعمر
إنسَوْا كلّ هذا الآن وألقُوا نظرة على هذا المقال الذي أنقله كما ورد في موقع كلمة....لتقفوا على حقيقة أنّ البلد الّذي حدّثتكم عنه متخلف عن بلدنا تونس وعن مشروعها الحضاري
صرخة استغاثة أطلقتها المرحومة جميلة بن عمر بوعزيزي في بهو قسم التوليد بالمستشفى الجهوي بسيدي بوزيد لتستحثّ الإطار الطبّي على التسريع بإجراء عملية جراحية تنقذها ولكن الصرخة لم تكتمل لتلفظ المسكينة أنفاسها في بهو المستشفى."كلمة" التقت المواطن الهادي بن علي بوعزيزي لتعرف منه تفاصيل المأساة التي حلّت به والظروف التي أدّت إلى وفاة زوجته
.
إهمال ولا مبالاة
يقول الهادي بوعزيزي إنّ زوجته وهي أمّ لأبنائه الثلاثة كانت تشتكي من بعض الآلام في فترة حملها للمرّة الرابعة وقد بلغ الجنين شهره الثامن فتوجّه بها إلى طبيب خاصّ قام بتشخيص حالتها فاستنتج أنّ الجنين مشوّه. وفي يوم 23 ديسمبر 2007 أكّد الطبيب نفسه لمريضته أنّ الجنين متوفّ ووجّهها إلى المستشفى الجهوي بسيدي بوزيد.يوم الاثنين 24 ديسمبر توجّهت الزوجة إلى المستشفى حيث تمّ إعلامها بضرورة الانتظار إلى يوم الخميس وبالفعل تحمّلت المسكينة أوجاعها إلى يوم الخميس صباحا عندما اشتدّت بها الآلام توجّهت إلى قاعة التوليد لكنّ القابلة رفضت قبولها وأمرتها بالمغادرة.وتقول أمّ الزوج التي كانت ترافق زوجة ابنها في شهادتها التي ضمّنت في ملفّ الشكوى أنّه
"يوم 27 ديسمبر 2007 في الحصّة الصباحيّة حاولت المرحومة جميلة بوعزيزي التحامل على نفسها والتوجّه من سريرها إلى قاعة التوليد وطلبت من القابلة إنقاذها من الموت ولكن القابلة المشرفة في ذلك اليوم نهرتها بقولها حرفيّا: عندي نساء قبلك ارجع أولدي في فرشك إنشاء الله تموت"
. وتضيف أمّ الزوج:
"لمّا وقع إرجاعها بالقوّة من غرفة التوليد همست لي المرحومة جميلة: إنّي أشتمّ رائحة كريهة جدّا في أنفي. ثمّ أوصتني على أبنائها الثلاث وسقطت ميّتة في الممرّ ما بين قاعة الولادة وقاعة النّوم
".وتؤكّد شهادة أمّ الزوج شهادة أخرى لمواطن كان يصطحب زوجته في المستشفى وشاءت الصّدفة أن يكون شاهدا على حادث الإهمال الذي انتهى بموت الزوجة حيث يقول أنّه شاهد المرأة في حالة يرثى لها وهي تتلوّى وتصيح. ويضيف أنّها
"قالت للعاملات والقابلات أنّها في حالة جدّ خطيرة لكن بدون جدوى ولم تجد آذانا صاغية إلى أن سقطت أرضا واعتلاها الاصفرار في الممرّ ما بين قاعة التوليد وقاعة النوم، عندها أدركتُ أنّها فارقت الحياة وهي حامل".
اللّغز الذي غيّر وجه الحادثة
يبدو من الرّوتيني الحديث عن مظاهر الإهمال في كلّ القطاعات ومن قبل جلّ المسؤولين رغم ما ينجرّ عنه من كوارث ولكنّ ما يمثّل اللغز في هذه الحادثة هو ما يحاول الزوج إثباته حول وفاة زوجته قبل أن يستخرج من بطنها الجنين المتوفّي في الوقت الذي يؤكّد فيه أنّ الإطار الطبّي بالمستشفى قام بإجراء عمليّة استخراج الجنين من بطن زوجته وهي ميّتة. وقد توجّه في هذا الصدد إلى رئيس الدولة برسالة عنوانها "إخراج ميّت من ميّت".ويؤكّد الزوج استنادا إلى شهادة والدته وشهادة المواطن الذي أدلى بها أنّ زوجته توفّيت وفي بطنها الجنين لكنّ الإطار الطبّي أجرى لها العمليّة إثر ذلك حتّى يخفي علامات الإهمال. ويستمرّ نسق المغالطة التي قام بها المسؤولون بالمستشفى من خلال محاولة تزوير الملفّ الطبّي الذي تسلّمه من المستشفى الجهوي بسيدي بوزيد فقد تمّ تسليمه ملفّا آخر لامرأة أخرى من ولاية أخرى عوض ملفّ زوجته ويفسّر ذلك بأنّه محاولة لربح الوقت. هذا ويصرّح الزوج بأنّ طبيب الإنعاش "أقرّ بأنّ الضحيّة توفّيت والجنين لا يزال في بطنها" حيث يتناقض ذلك مع ملفّ الإطار الطبّي القائل بوفاتها أثناء العمليّة. وقد تقدّم الزوج لهذه الأسباب بداية شهر جانفي 2008 بشكوى إلى المحكمة الابتدائية بسيدي بوزيد ولكنها لم تصدر أيّ قرار

.مقايضة تحت عناوين مساعدات
ويقول المواطن الهادي بوعزيزي أنّه تلقّى دعوة من وزير الصحّة حيث عرض عليه فرصة لتشغيله بمستشفى سيدي بوزيد وترسيمه فورا مقابل أن يتوقّف عن تتبّع القضيّة لكنّه رفض. كما قام أحد المسؤولين بمراسلة المعتمد الأوّل بسيدي بوزيد ليطلب منه
"تمكين الهادي بوعزيزي وأبناءه الثلاثة اليتامى من سكن خاصّ نظرا إلى أنّه يقطن مع والديه". هذه الوعود التي لم تتحقّق، والتي حاول من خلالها المسؤولون ثني المتضرّر عن سعيه لتتبّع المذنبين، لم توقفه عن المطالبة بحقّه في اللجوء إلى القضاء لكشف خبايا الإهمال الذي أودى بحياة زوجته وما تبعه من تعدّ على حرمة ميّت بإجراء عمليّة له بعد وفاته
. بدايتها إهمال وختامها إهمال
في نهاية المطاف ينتظر المواطن الهادي بوعزيزي من السلطات تحمّل مسؤوليتها تجاه ما تعرّض له ولكن ردّ السلطات لم يأت بعد رغم مرور أكثر من ثمانية أشهر على الحادثة.أمّا آخر علامات الإهمال واللاّمبالاة بشؤون المواطنين فهو ما تعبّر عنه بطاقة العلاج التي تمّ تجديدها من قبل الإدارة المركزيّة لمنافع التأمين على المرض والعلاقات التعاقدية حسب النظام الجديد للتأمين على المرض وذلك بتاريخ 1 جويلية 2008 إذ تمّ شطب أبنائه الثلاثة (ندى 12 سنة، رجاء 10 سنوات، مروان 5 سنوات) الموجودين في كفالته وعلى قيد الحياة من بطاقة العلاج وتسجيلُ الجنين الذي توفّي في بطن أمّه وتوفّيت أمّه معه قبل أن يولد لتصبح بطاقة العلاج خاصّة بجنين ميّت لم ير النّور

1 التعليقات: